كل حادث جسيم يبدأ بالمفارقة نفسها، فالقرارات الأكبر أثرا في كلفته يجب أن تتخذ قبل وصول الحقائق. في الدقائق الستين الأولى يقرر القائد من يتولى القيادة، وهل يعلن الحادث رسميا، وماذا يقال للموظفين وماذا يسمع العملاء، ولن تكون الصورة الكاملة متاحة لأي من ذلك، لأن الصورة الكاملة لا تصل أبدا في الساعة الأولى. والفرق بين شركة تملك بروتوكولا مكتوبا وشركة ترتجل ليس رباطة الجأش ولا الموهبة، بل أن الأولى اتخذت معظم هذه القرارات في وقت الهدوء، أسماء وصلاحيات ونماذج رسائل جاهزة، ولم يبق عليها يوم الحادث إلا التنفيذ. أما الارتجال فيظهر لاحقا في صورة أموال، ساعات توقف إضافية ضاعت في نقاش من يحق له إعلان الحادث، ووعد متناقض للعملاء استغرق التراجع عنه شهورا، ومطالبة تأمين ضعفت لأن أحدا لا يستطيع إثبات ما الذي تقرر ومتى ومن اتخذه.

ثلاثة أسئلة بترتيب صارم. هل أصيب أحد أو يتهدده خطر، وكل ما عدا هذا السؤال ينتظر خلف جوابه. ما الذي حدث فعلا، مع الفصل بين ما نعرفه وما نفترضه، فالبلاغ الأول يكون في الغالب خاطئا في جزء منه. وما الذي تأثر، أي المواقع والأنظمة والخدمات والعملاء، ولو برسم أولي تقريبي. لا يشترط في التصنيف أن يكون أنيقا، بل أن يكون سريعا وصادقا بشأن حدود ما نعرفه.
وأهم سطر في بروتوكول الساعة الأولى هو اسم. لا بد من شخص يملك صلاحية إعلان الحادث واستدعاء فريق الأزمة، شخص مسمى ومعه نائب مسمى لليالي والإجازات والسفر، لا لجنة ولا درجة وظيفية. وحيث يغيب هذا السطر تضيع الساعة الأولى في سؤال لا يريد أحد أن يجيب عنه وحده، هل الأمر خطير بما يكفي لإيقاظ الرئيس التنفيذي؟ وملاحظة واحدة قبل المتابعة، إذا كان التعطل هجوما سيبرانيا فأعلن الحادث ثم بدل خطة اللعب، فالساعات الأولى من هجوم الفدية لها منطق قرارات خاص بها نتناوله في صفحة مستقلة عن الساعات الأولى من هجوم الفدية.
الفريق الذي يعمل تحت الضغط صغير ومسمى بالأسماء. أربعة أدوار تكفي للبداية، قائد يتخذ القرارات ويملك الأولويات، ومسؤول عمليات يعالج المشكلة نفسها، ومسؤول تواصل يملك كل كلمة تخرج من الشركة، وأمين سجل يدون. وغرفة واحدة أو قناة واحدة، فالأزمة التي تدار في خمس محادثات متوازية هي خمس أزمات بخمس روايات للحقيقة.
والقاعدة الذهبية عند هذه العلامة، سجل القرارات يبدأ الآن. كل قرار وكل بلاغ وارد وكل تعليمات، بختم زمني وفي مكان واحد وبيد شخص واحد هذه مهمته الوحيدة. فالسجل ذاكرة قصيرة لفريق سيعيد بدونه فتح مسائل حسمت، وهو دليل أمام شركات التأمين والجهات الرقابية التي ستسأل بدقة ماذا كنتم تعرفون ومتى، وهو المادة الخام للتعلم بعد انقشاع الدخان. عشر ثوان لكل قيد أثناء الحادث توفر أسابيع من الجدل بعده.
الداخل قبل الخارج بلا استثناء. الموظف الذي يعرف بالحادث من وسائل التواصل الاجتماعي يفقد الثقة بالقنوات الداخلية في اللحظة التي تحتاج فيها إلى هذه القنوات أشد الحاجة، ويتحول الموظفون غير المطلعين إلى مصدر غير مقصود للتسريبات والشائعات. فقرتان للموظفين، ماذا حدث وماذا نفعل ومن أين تأتي التعليمات التالية، تشتريان من النظام أكثر مما يشتريه أي بيان صحفي.
وفي الخارج تخص الساعة الأولى البيان التمهيدي، نص قصير صيغ واعتمد في وقت السلم يقول إن الموقف معلوم وإن فريقا مسمى يعمل عليه وإن التحديث التالي سيصدر في وقت محدد. ولا يقل أهمية ما يجب ألا تحويه رسائل الساعة الأولى، لا أسباب قبل ثبوتها، ولا مواعيد لاستعادة الخدمة، ولا ضمانات بسلامة البيانات، فكل وعد يكسر في الساعة الأولى يدفع ثمنه مضاعفا في الأسبوع الثاني. وموقع حوكمة الأزمات والتصعيد والتواصل داخل منظومة المرونة الأوسع هو موضوع الوحدة الرابعة من برنامج ERGP.
البروتوكول الذي يفتح لأول مرة أثناء حريق حقيقي مجرد ديكور. لا تصبح الساعة الأولى سريعة إلا حين يكون أصحاب الأسماء قد مشوها فعلا، أعلنوا حادثا افتراضيا واجتمعوا وأمسكوا سجل القرارات وأصدروا البيان التمهيدي، حول طاولة وتحت ضغط الوقت وقبل أن يحترق أي شيء. وهذا يتطلب تمرينا مكتبيا مدته تسعون دقيقة مرة أو مرتين في السنة، ونعرض منهجيته وسيناريوهاته ونتائجه المعتادة في دليل التمرين المكتبي. الشركات التي تتدرب على هذه الساعة لا تصبح محصنة من الأزمات، لكنها تصبح سريعة، وفي الساعة الأولى السرعة هي الشكل الذي يتخذه المال.
هذا الموضوع جزء من اللغة العملية لبرنامج ERGP، أول شهادة في حوكمة المرونة متاحة بالكامل باللغة العربية وبالإنجليزية أيضا. 94 فصلا وست وحدات وشهادة قابلة للتحقق.
تعرف على برنامج ERGP